I. مقدمة: عرف قطاع الصناعة تطورا مهما بعد الاستقلال، حيث تضاعف عدد العاملين فيه، و ارتفعت نسبة مساهمته في قيمة الصادرات، ...
I. مقدمة:
عرف قطاع الصناعة تطورا مهما بعد الاستقلال، حيث تضاعف عدد العاملين فيه، و ارتفعت نسبة مساهمته في قيمة الصادرات، و رغم ذلك فهو لا يساهم سوى ب 18,5%من الناتج الداخلي الإجمالي. فما هي مقومات الصناعة المغربية ؟ و الصعوبات التي تعترض هذا القطاع ؟ و المجهودات التي تبذلها الدولة لتطويره ؟ و أخيرا ما هي أنواع الصناعات و مراكزها ؟
II. يتوفر المغرب على ثروات معدنية و طاقية متنوعة:
1- توفر الطبيعة المغربية ثروات معدنية مهمة:
• يعد الفوسفاط أهم ثروة معدنية في المغرب، و يوجد بالمغرب أكبر احتياطي للفوسفاط في العالم (ما يقرب 7,5% من الاحتياطي العالمي)، و هو من النوع الجيد، و يستخرج إما من مناجم مكشوفة أو مناجم باطنية.
• تقوم الدولة باستغلاله عن طريق "المكتب الشريف للفوسفاط O.C.P الذي يشرف على عمليات الإنتاج و الغسل و التجفيف و التسويق. و يعد المغرب ثالث منتج و أول مصدر للفوسفاط في العالم.
• يتوفر المغرب على معادن أخرى، يأتي الحديد في مقدمتها من حيث الاحتياطي، إضافة إلى النحاس و الزنك و المنغنيز (انظر الخريطة ص 70 أسعار المبيعات و الإنتاج تحت رحمة ظروف السوق الدولية.f). لكـن جـل هـذه المعـادن يصـدر خـاما إلى الخـارج
2- توفر الطبيعة للمغرب تنوعا في الموارد الطاقية، لكنه يعاني من عجز طاقي كبير:
• الفحم الحجري: يستخرج من مناجم جرادة، و يتميز بجودته، غير أن تكاليف استحراجه مرتفعة بسبب ضعف سمك الطبقات الفحمية و عمقها، و هو من نوع الأنترابست، و قد اضطر المغرب إلى الزيادة من وارداته من الفحم (انظر المبيان ص 72).
• النفط و الغاز الطبيعي: توجد بالمغرب بعض حقولهما (انظر الخريطة ص 73)، لكن مخزونها ضعيف، بل إنها تتجه نحو الاستنزاف.
و قد عملت الدولة على استغلال مكامن الصخور النفطية، لكن ارتفاع التكاليف و انخفاض أسعار النفط في الثمانينات حالت دون استمرار ذلك.
• الطاقة الكهربائية: يشهد إنتاجها تزايدا واضحا، و ترتبط أساسا بالمصادر الأجفورية. و رغم توفر المغرب على إمكانيات هامة من الكهرباء ذات المصدر المائي فإن إنتاج الكهرباء يظل خاضعا للتقلبات المناخية، و انخفاض و ارتفاع حجم المياه بالسدود، مما يضطر المغرب إلى الرفع من إنتاج الكهرباء ذات الأصل الحراري.
3- وضعت الدولة سياسة طاقية للتخفيف من العجز الطاقي:
• العمل على عقلنة و ترشيد الاستهلاك الداخلي للطاقة.
• السعي إلى تنويع مصادر الطاقة المستهلكة مثل استعمال الفحم بدل الفيول في إنتاج الكهرباء.
• القيام بمتابعة سياسة تعبئة الموارد المائية و بناء السدود.
• إنشاء البنيات الأساسية و الضرورية لاستخدام الطاقات البديلة و المتجددة مثل محطة إنتاج الكهرباء بالاعتماد على الطاقة الشمسية بورززات، و محطة توليد الكهرباء بواسطة الرياح بنواحي مدينة تطوان.
III. يتميز قطاع الصناعة المغربية بعدة خصائص أفرزتها ظروف انطلاقته:
1- تأثر القطاع الصناعي بعد الاستقلال بتوجهات الدولة و بالأجهزة و التنظيمات التي أقامتها:
• ركزت المخططات الاقتصادية في المغرب على أهمية تنمية القطاع الصناعي، حيث منحت المخططات ما بين سنتي 1965 و 1972 الأولوية للصناعات الإحلالية التي كان المغرب يستوردها من الخارج (النسيج، السكر، الزيوت، مواد البناء... ) لأنها تتوفر على سوق استهلاكية واسعة، و لا تتطلب رساميل محلية...
و منحت المخططات منذ سنة 1973 الأولوية للصناعات التصديرية، بهدف تجاوز السوق الداخلية و الانفتاح على أسواق خارجية.
• القيام بإنشاء بعض الأجهزة العمومية مثل "مكتـب التنميـة الصنـاعية" و "مكتـب الأبحـاث و المساهمات المعدنية" و "صندوق الإيداع و التدبير" قصد تمويل المشاريع الصناعية.
• اتخاذ عدة إجراءات و وضع تنظيمات من أجل توجيه الرأسمال الخاص نحو الاستثمار في القطاع الصناعي من بينها "قوانين الاستثمار الصناعي"، و "قانون المغربة"، و "نظام التجارة الخارجية" إلى جانب تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الهادف إلى تحرير التجارة الخارجية، و حث المقاولات المغربية على الاتجاه نحو التصدير.
2- تأثر القطاع الصناعي بحجم الاستثمارات و نوعية مصدرها بعد الاستقلال:
• شاركت الدولة في الاستثمارات الصناعية التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة أو ذات دورة رأسمال طويلة نسبيا مثل صناعة الفوسفاط و الطاقة و الإسمنت و غيرها.
• إعادة جدولة هذه الديون على أساس تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي يهدف إلى تقليص نفقات الدولة بخوصصة جزء من المقـاولات الصنـاعية و المنجمية العمومية منذf تراكم الديون منذ مطلع الثمانينات fنتج عن الاستثمار المكثف للدولة في القطاع الصناعي و غيره من المجالات اللجوء إلى القروض الخارجية سنة 1989.
• أما القطاع الخاص الوطني فقد تزايدت استثماراته في المجال الصناعي منذ بداية الثمـانينات، و اتجهت نحو الصناعات الاستهلاكية كالنسيج و الجلود و الصناعات الغذائية لأنها لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة و لا تقنيات عالية إضافة إلى دورة رأسمالها القصيرة.
• و فيما يخص الاستثمارات الأجنبية فقد همت الصناعات الاستهلاكية و التجهيزية و ذلك قصد الاستفادة من انخفاض تكلفة الإنتاج و من التشجيعات الجبائية و المالية في البلدان السائرة في طريق النمو و منها المغرب.
3- شهد قطاع الحرف التقليدية بعض التحول على ضوء توجهات المخططات:
• اهتمت الدولة بالأنشطة الحرفية الأكثر قدرة على التطور و صنفتها إلى ثلاثة أنواع و هي:
- الصناعات التقليدية الفنية: مثل الزرابي، المنتجات الجلدية، الأواني النحاسية و غيرها.
- الصناعات التقليدية النفعية: التي تنتج موادا استهلاكية كصناعة المنسوجات و الأحذية التقليدية...
- الصناعات التقليدية الخاصة بالخدمات: و تشمل الحرف الموجهة نحو عمليات الإصلاح مثل إصلاح الدراجات و السيارات و الآلات الفلاحية... و هذا النوع قادر على مسايرة التطور.
• تركز اهتمام الدولة على الصناعات الفنية و النفعية و تمثل ذلك في:
- إنشاء مراكز للتعليم خاصة بتكوين الحرفيين + معاهد عليا لتكوين الأطر التقنية في هذا القطاع.
- خلق "مجمعات للصناعة التقليدية" بمجموع الأقاليم.
- التشجيع على التكثل في تعاونيات لتسهيل الحصول على المواد الأولية و تسويق الإنتاج.
- تشجيع الاستثمار في مشاريع الصناعة التقليدية.
• و قد حققت الصناعة التقليدية تطورا مهما في بعض الفروع و ذلك بسبب:
- لإقبال الخواص على الاستثمار في قطاع الصناعة التقليدية لكونه لا يتطلب رؤوس أموال ضخمة و دورة رأسماله قصيرة.
- استفادة الخواص من التشجيعات الجبائية و القروض و قوانين الاستثمار.
و رغم هذه الأهمية فإن قطاع الصناعة التقليدية لازال يشكو من ضعف التنظيم.f
IV. تتنوع الصناعات في المغرب، و يتركز معظمها في منطقة الشمال الغربي:
1- يتميز النشاط الصناعي في المغرب بغلبة الصناعات الاستهلاكية:
• الصناعات الاستهلاكية: و تشمل صناعة النسيج و الجلد و الصناعة الغذائية. و يفسر سيادة هذا الصنف من الصناعات ب:
- وجود سوق داخلية تستهلك هذا النوع من الصناعات.
- تشغيلها لعدد كبير من اليد العاملة.
- اعتمادها على مواد خام محلية.
- لا تعتمد على رؤوس أموال كبيرة و لا تتطلب تقنبات عالية.
+ تحقق صناعة النسيج و الجلد معظم حاجات الاستهلاك الداخلي و يوجه جزء من الإنتاج إلى الخارج.
§ قطاع النسيج: انتقل من مرحلة تلبية الحاجات الداخلية إلى مرحلة البحث عن أسواق خارجية منذ سنة 1973 لكنه يعاني من ارتباطه بالأسواق الخارجية من حيث التزود بالآلات و القطن و الخيوط الاصطناعية + المنافسة الخارجية + نقص الأطر التقنية العليا.
§ قطاع الجلود: عرف نفس التطور، لكن مساهمته في التصدير لا تزال ضعيفة.
§ الصناعات الغذائية: و تقوم بتحويل و تصبير المواد الفلاحية و منتجات الصيد البحري، و هي تشمل:
*صناعة السكر: عرفت تطورا كبيرا منذ الاستقلال، و يتجلى ذلك في تغطية حوالي62% من الحاجيات الوطنية.
*صناعة تحويل الحبوب: في مقدمتها طحن الحبوب الذي يتزود بالقمح المنتج محليا، و بحوالي 50% من القمح المستورد لتذبذب الإنتاج المحلي و عدم كفايته.
*صناعة الزيوت: يستورد المغرب أزيد من 60% من حاجياته بحكم ضعف الإنتاج و تذبذبـه. و تتم معالجة الزيت الخام في 14 وحدة صناعية.
*صناعة المواد الحليبية: تغطي حوالي 54% من حاجيات السوق الوطنية من الحليب و مشتقاته لعدم كفاية إنتاج الأبقار و ضعف شبكة تجميع الحليب.
*صناعة المشروبات و التبغ: و تشمل تعبئة المياه المعدنية الوطنية + صناعة المشـروبات الغـازية + صناعة التبغ + صناعة المشروبات الكحولية.
*صناعة تصبير المواد النباتية و الحيوانية، و يرتبط إنتاجها بالخارج.
• الصناعات الأساسية: و تشمل على الخصوص الصناعات الكيماوية الثقيلة و صناعة التعدين.
- ينقسم قطاع الصناعات الكيماوية إلى ثلاثة فـروع رئيسية هـي: الصنـاعات الكيمـاوية الأسـاسية + صناعة مواد البناء + الصناعات شبه الكيماوية.
§ الصناعات الكيماوية الأساسية: شهدت نوما ملحوظا، و ذلك بفضل إنشاء الدولة لمركبات صناعية ضخمة مثل مركب "المغرب كيمياء I و المغرب كيمياء II" بآسفي، و مركبات "المغرب فوسفور" في آسفي و الجرف الأصفر، التي تحول الفوسفاط إلى حامض فوسفوري و أسمدة، و معمل "لاسمير" لتصفية البترول و إنتاج مشتقاته.
§ صناعة مواد البناء: و أهمها صناعة الإسمنت، تتميز بضخامة وحداتها و مساهمتها ب 40% من قيمة إنتاج صناعة مواد البناء، كما أنها تستجيب لحاجيات السوق الوطنية. يضاف إلى ذلك بعض الصناعات المرتبطة بصناعة الإسمنت مثل الزليج، طوب البناء، القرمود، تجهيزات نظافة المباني، الزجاج، الجبس و غيرها.
§ الصناعات شبه الكيماوية: في مقدمتها صناعة المـواد الصيـدلية + الصنـاعات المطـاطية و البلاستيكية و الورق و مواد الصباغة و غيرها.
- الصنـاعات التعـدينية: تعـد قطـاعا ضعيفـا، و هـو يتـركب مـن مصنـع الحـديد بالناظور S.O.N.A.S.D، و لا يغطي هذا القطاع سوى 31% من الحاجيات الداخلية.
• الصناعات التجهيزية: و تضم صناعات متنوعة من أهمها الصناعات الميكانيكية التي تقوم بتركيب السيارات و الشاحنات و الآلات الفلاحية و المحركات + الصناعات الكهربائية و الإليكترونية التي تعتمد على المواد المصنعة و نصف المصنعة المجلوبة من الخارج.
• الصناعة التقليدية:
- تتجلى أهميتها في المغرب فيم يلي:
§ دورها الهام في مجال التشغيل حيث توفر الشغل ل 17% من السكان النشيطين بالحواضر.
§ تزايد مساهمتها في تعزيز الصادرات المغربية خصوصا في فترة الثمانينات إذ كانت تفوق 8% من قيمة الصادرات.
- يواجه هذا القطاع عدة مشاكل:
§ مشكل تزويد الصناع بالمواد الخام بسبب نقصها أو بسبب الاحتكار الذي يقوم به بعض التجار، الشيء الذي ينعكس على سعر المنتجات و وجدتها بشكل سلبي.
§ مشكل التسويق المتمثل في وجود عدة صعوبات تدفع البعض من المنتجين إلى التخلي عن بعض أرباحهم لبعض الوسطاء.
- و تبذل الدولة مجهودات لتجاوز هذه المشاكل تتمثل في العمل على تنظيم قطاع الصناعة التقليدية (انظر الفقرة الفرعية 3 ضمن الفقرة الرئيسية II).
2- يتركز النشاط الصناعي في المغرب في منطقة الشمال الغربي:
• يرجع تمركز النشاط الصناعي في المنطقة الممتدة بين القنيطرة و الدار البيضاء إلى تظافر مجموعة من العوامل:
- تعد قطبا يجذب السكان القرويين الذين يشكلون يدا عاملة و سوقا استهلاكية للمنتجات.
- تعتبر مركزا للاستثمارات، و الأجهزة التمويلية كالمؤسسات المالية.
- التوفر على شبكة هامة من المواصلات كالموانئ و الطرق البرية (الطريق السيار) و السكك الحديدية و المطارات.
• و تقوم الدولة بدور بارز للتخفيف من حدة هذا التركز و يتمثل ذلك في:
- القيام بتشجيع الاستثمارات الصناعية بعيدا عن المحور الممتد بين القنيطرة و البيضاء.
- العمل على تجهيز المناطق الصناعية الموجودة بالجهات الداخلية و تسليمها للمستثمرين بأثمنة مشجعة كي تساهم في الحد من مشكل البطالة و تقوم باستثمار الثروات المحلية.
- العمل على إنعاش و مساعدة المقاولات الصغيرة و المتوسطة الموجودة خارج هذا المحور خاصة و أنها لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة.
• طهرت خلال العقود مراكز صناعية جديدة مثل: مجموعة الغرب و اللوكوس + مجموعة تادلا + مجموعة دكالة + مجموعة سوس + مجموعة الغرب الشرقي + المجموعة المحيطة بالبيضاء. و لكن بالرغم من ذلك فإن محور القنيطرة – البيضاء لا يزال يهيمن على معظم النشاط الصناعي بالمغرب.
V. خاتمة:
يتضح مما سبق أن القطاع الصناعي بالمغرب لا يزال يتسـم بغلبـة الصنـاعات الاستهـلاكية و ضعف التكامل و الاندماج بين فروعه، و تسعى الدولة إلى تنمية هذا القطاع من خلال تحرير اقتصادها و تشجيع دخول الاستثمارات و التكنولوجيا الأجنبية.

تعليقات